جديد مندفع

صعد على المنبر ليخطب بحماسة عالية : انتخبوني؛ فهذه خطتي لتطوير المؤسسة. فطال خطابه إلى أن صفق له الجمهور منبهرين مما سيقدمه لهم - ربما سيخلصهم من جبروت الطاغي الحالي. في الانتخابات حصل على أعلى الأصوات.

        أثناء زيارتي لإحدى الوزارات في السلطنة اندهشت من حماسة الموظفين هناك في تلك الدائرة. وبقيت اتساءل مع ذاتي يا ترى من هو مديرهم الموجه والمحرك لهم؟! قررت أن أتعرف عليهم أكثر. بدأت الحديث مع الموظف الأول والذي راق لي أسلوبه حينما ناداني بـ "الزميل". تعرفت عليه وبدأ يتحدث عن طموحه في العمل وأنه متأمل من الوزارة أن تبعثه لإكمال الدراسة (المجاستير). سألته كيف الأمور؟ فأجاب : رتب أمورك والأمور أبو الطيبة! فازدادت دهشتي؛ فاختتمت الحديث بسؤال : كم سنة في الخدمة أنت؟ فأجاب (مبتسمًا) : جديد، شهور بس!

انتقلت معاملتي إلى موظف آخر لا يقل حماسة عن الأول وجر بنا الحديث حتى سؤالي الأخير : كم سنة في الخدمة؟ فأجاب : كملت أسبوعين! وبقيت مبتسمًا أثني عليه لأنهي الحديث فورًا؛ فثمة تساؤلات ضخمة في رأسي يجب أن لا تخرج قبل أوانها. كان يجب علي انتظار انتهاء معاملتي فذهبت لأقضي بعض الوقت مع رجل الأمن هناك. يبهرني هو الآخر بلطف تعامله وخدمته المتفانية للمراجعين. حتى سؤالي الأخير : كم سنة في الخدمة؟ تقريبًا سنة!

عدت لاستلام معاملتي مع موظف ليس بالجديد هناك (كان باقي الموظفين يستشيرونه كثيرًا). وجاء أحد المراجعين يسأل عن أمر ما. فأجابه الموظف: روح اسحب رقم وانتظر دورك. المراجع: لدي سؤال بسيط فقط. الموظف: ما أقدر أقدمك انتظر دورك. المراجع يؤكد بأنه يستفسر عن أمر بسيط لا يستحق الانتظار. حينها فقط أستوعب الموظف ذلك؛ فسمح له بالسؤال. بعدها استلمت معاملتي (شيك باسم الشخص الخطأ).

في دائرة مؤسسة حكومية أخرى ترددت عليها كثيرًا، الجميع هناك أحياء موتى يقتلون بعضهم انتقاما من كبيرهم (مترأسهم). معظم معاملات المراجعين تموت هناك قبل أن تولد. إلا من رحم ربي والغريب أن بعض معاملات الفتيات تولد سريعًا.

كنت اتساءل ما سبب هذا الإنتاج الضعيف لدى الموظفين الكبار في المؤسسة الحكومية هل خبرتهم الطويلة (أكثر من 15 سنة)  جعلت منهم روتين كسول؟ فصحح لي زميلي : ليست خبرة 15 سنة يا أيوب وإنما هي خبرة سنة واحدة مكررة 14 مرة. في كثير من الدوائر الحكومية خاصة، تجد هنالك موظفين ومدراء سيئين، لا يقبلون التجديد أو التغيير؛ فيؤثرون سلبًا على الموظفين الجدد لديهم قبل المراجعين مما يقتل لديهم الحماسة والإبداع.

لا تبن طموحات عالية بحماسة كبيرة مندفعة تخور سريعًا؛ بل كن أكثر واقعيًا لتجزأ حماسك فيدوم أطول وسترى التغيير على مراحل متفاوتة بإذن الله.



تعليقات

  1. جميل سيدي ايوب
    ولكن لا تدع المتقاعس والكسول عثرة في طريقك

    الطامح دائما ما يصنع سلمًا يصعد درجاته واحدة تلو الاخرى ، واصل تسلق السلم حتى نراك في القمه 😉

    ردحذف
  2. لك ودي سيدي علي ^ـــ^

    شكرا لك أيها القمة :)

    ردحذف
  3. موضوع جميل اخوي ايوب و الاجمل احساسك المنصب ف الموضوع والي يوحيلي ان هذا الموضوع جاء من صدد تجربه وتجربه عانت من هذه الضاهر المنتشره ف اغلب المؤسسات خاصه او عامه ع حد سوا فمن وجهت نضري ان تفاقم هذا الموضوع وانتشاره يرجع الى..1.تقديم المصلحه الشخصيه ع المصلحه التي تسعى اليها المؤسسه
    .
    2..اهمال العامل المجد ومساواته بالعامل المتقاعس
    3.وكما اشرت انت ف موضوع عملية التكرار وعدم التجديد
    الحل من وجهة نضري
    1.غرس حب العمل عن طريق وضع مكافئات ثابته للمجتهدين و اقامت برامج ترفيهيه خارج نطاق العمل تحت مسمى دائرة العمل مما يخلق بينهم روح الفريق المتكافل وغيره الكثير

    واخيرا وليس اخرا اشكرك ع انتقائك للمواضيع التي تثير ف النفس حب التغيير .
    .

    ردحذف
  4. عزيزي أيوب،،
    ما سطرته نال على اعجابي تحياتي الحارة لك\
    وبإنتظار كتاباتك

    يونس السمري

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أصدقائي المجاهيل

فشل بثمن الذهب

سناب شات ما وراء الفكرة